الثلاثاء، 17 مارس 2020

شرح حديث ( تَبلغ الحِلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) - الشيخ سليمان الرحيلي


بسم الله الرحمن الرحيم 
ولمسلم من رواية أبي حازمٍ قال"كنت خَلْفَ أبي هريرةَ وهو يتوضّأ للصلاةِ، فكانَ يَمُدُّ يَدَه حتى يَبلُغَ إبطَه، فقلتُ له: يا أبا هريرةَ! ما هذا الوضوءُ؟ فقال: يا بَني فَرُّوخَ أنتم هاهنا؟ لو علمتُ أنّكم ههنا ما توضّأتُ هذا الوضوءَ، سمعت خليلي رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: ( تَبلغُ الحِليةُ مِنَ المؤمنِ حَيثُ يَبلغُ الوُضوءُ ).ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" بنحو هذا، إلا أنّه قال: سمعتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: ( إنّ الحِليةَ تبلغُ مَواضعَ الطَّهور ).

-      أبو حازم الأعرج سلمان الأشجعي الكوفي من الموالي، وقيل أنه جالس أبا هريرة خمس سنين.
-      كان أبو هريرة يظن أنه بمفرده، وما كان يتوضأ هكذا أمام العامة، لأنهم لم يكونوا يعرفون هذه الصفة، وهنا فائدة: أن الإنسان قد يترك الفضيلة إذا علم أنها فتنة للناس، وكذلك: ينبغي على العالِمِ أن ينتقي لطلابه من العلم ما ينفعهم ولا يفتنهم أو يَشْغَلهم عن مُهِمّات أمورهم، ما لم يكن في حَدِّ الفرائض والواجبات أو ترك المحرمات فلابد من بيانِـها.
-      "إبطه" بإسكان الباء، وهذه هي اللغة المشهورة، وبعض أهل العلم يرى أنها اللغة الصحيحة، وبعض أهل العلم يرى أنها بكسر الباء.
-      أبو هريرة رضي الله عنه كان يغسل يده من أطراف الأصابع إلى أن يبلغ منتهى يده.
-      "فَرُّوخ": قيل أنه أحد أبناء إبراهيم، وهو جد العَجَم، وهي كلمة فارسية معناها: السعيد.
-      "يا بَني فَرُّوخَ": قال بعض أهل العلم أنه يقصد أبا حازم لأنه من العجم الذين أسلموا، وكان رقيقًا وأُعتق، وظاهر العبارة أن أبا حازم لم يكن بمفرده.
-      "خليلي": تأتي بمعنى صديقي، من الخَلّة أو الخُلّة بمعنى الصداقة، وسمي كذلك لأنه يَسُدّ حاجة صديقه، وتأتي بمعنى الْمُحِب التام المحبة الذي لا خلل في حبه ولا نقص، وهو المراد هنا.
-      الحِلية: قيل هي الغُرّة والتَحْجِيل، وقيل: ما يُـحَلى به أهل الجنة من الأساور في الأيدي والأرجل، ويشهد لهذا المعنى حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( تبلُغُ حِليةُ أهلِ الجنَّةِ مبلغَ الوضوءِ ) رواه ابن حبان[1] وصححه الألباني.
-      دلّ هذا على أن الناس يتفاوتون في هذه الحِلية بحسب وضوئهم.
وفهم بعض أهل العلم أن هذا التفاوت بالمبالغة في الوضوء والزيادة في غسل الأعضاء، وهذا ما فهمه أبو هريرة رضي الله عنه، وهذا مرجوح، والراجح أن التفاوت بحسب عنايتهم بالوضوء والتكميل للسنة في الوضوء.
-      لأهل الوضوء فضيلتين: الحِلية في الجنة ويكون تَمَامها وطولها وكِبرها بحسب تمام الوضوء، ويُدْعَوْن يوم القيامة غُرًّا مُحجليل.
-      )  إنّ الحِليةَ تبلغُ مَواضعَ الطَّهور ) أي مواضع الماء في الوُضوء.



[1]  "صحيح ابن حبان" ((1045.

الاثنين، 16 مارس 2020

شرح ( من قرأ سورةَ الكهف كانت له نوراً يوم القيامةِ، مِن مقامِه إلى مكة، ومن قرأ عشرَ آياتٍ من آخرها ثم خرج الدجال؛ لم يَضُرَّه، ومن توضأ فقال: (سبحانك اللهم وبحمدِك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)، كُتِبَ له في رَقٍّ، ثم جُعِلَ في طابِعٍ، فلم يُكسَر إلى يومِ القيامةِ )


بسم الله الرحمن الرحيم




[صحيح] وعن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( من قرأ سورةَ الكهف كانت له نوراً يوم القيامةِ، مِن مقامِه إلى مكة، ومن قرأ عشرَ آياتٍ من آخرها ثم خرج الدجال؛ لم يَضُرَّه، ومن توضأ فقال: (سبحانك اللهم وبحمدِك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)، كُتِبَ له في رَقٍّ، ثم جُعِلَ في طابِعٍ، فلم يُكسَر إلى يومِ القيامةِ ).
رواه الطبراني في "الأوسط"، ورواته رواة "الصَّحيح"، واللفظ له.
ورواه النسائي، وقال في آخره: ( خُتِم عليها بخاتَم فوضِعتْ تحتَ العرشِ، فلم تُكسَر إلى يومِ القيامةِ ).
وصوَّب وقفه على أبي سعيد.

 -      الصحيح: ( من قرأ سورة الكهف كانت له نورًا يوم القيامة )، وليست "إلى" قبل ( يوم القيامة ) في الروايات.

-      " رواه الطبراني في الأوسط، ورواته رواة الصحيح ": ورواه الحاكم بتمامه في المستدرك بتغيير يسير في بعض ألفاظه وقال: " صحيح على شرط مسلم، ورواه سفيان الثوري عن أبي هاشم فأوقفه "، هذا كلام الحاكم.
    
   -   " ورواه النسائي ": لم يروه بتمامه النسائي، إنما رواه من قوله صلى الله عليه وسلم: ( من توضأ فقال: سبحانك اللهم ... ) إلى آخر الحديث

- " وقال في آخره: ( خُتِم عليها بخاتم، فوضعت تحت العرش فلن تُكسَر إلى يوم القيامة ) ":
يوهِم أن هذه الزيادة في نفس الرواية السابقة، وهذا لا يستقيم؛ لأن في الرواية السابقة: ( كُتِبَ لَهُ في رَقٍّ ثم جُعِلَ في طَابِعٍ فلم يكسر إلى يوم القيامة )، فليست هذه الزيادة في الرواية السابقة لا في متنها ولا في إسنادها، بل رواها النسائي بإسناد آخر عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من توضأ فَفَرَغَ من وُضوئه ثم قال: ( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك )، طُبِعَ عليها بطَابَع ثم رُفِعت تحت العرش فلم تُكْسر إلى يوم القيامة )، هكذا عند النسائي في الرواية الأخرى.

-      " وصوَّب وقفه على أبي سعيد ": أي النسائي، فقال أن الرفع خطأ والصواب أنه موقوف.
والمرفوع صحيح كما قال الألباني، والموقوف صحيح، ولو لم يرد إلا الموقوف لقلنا أن له حكم الرفع؛ لأنه خبر غيبي وفيه فضيلة، فلا يقوله الصحابي إلا عن توقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ ابن حجر: أما المرفوع فيمكن أن يُضعَّف بالاختلاف والشذوذ، وأما الموقوف فلا شك ولا ريب في صحته"، وقد بَيَّن الشيخ الألباني عدم حصول الاختلاف والشذوذ.

-      من المعلوم أن المؤمنين يُؤْتَوْن نورًا يوم القيامة على قدر أعمالهم، وهذا النور يَطُول ويَقْصر بحسب الأعمال، ويَتِمُّ ويَنْقُص بحسب الأعمال، وبعض الأعمال لها خصوصية في النور، منها:
1-         المشي في الظلمات إلى المساجد، أي أن يمشي العبد إلى صلاة العشاء وصلاة الفجر، حتى لو مشى اليوم في وسط الكهرباء فإنه يدخل في الفضل، "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"
2-         ومنها: العناية بيوم الجمعة، العناية بأعمال يوم الجمعة من غسل وتبكير وإنصات وكَثْرَة صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة سورة الكهف، فإن يوم الجمعة يأتي يوم القيامة كالعَرُوس التي تُزَفّ إلى زوجها، مضيئة تضيء لأهلها يوم القيامة، فهم يـمشون في ضوئها.
3-         ومنها: ترك الشيب، ولا سيما في اللحية، فإذا خرج الشيب في اللحية فتَرْكُه كان سببًا للنور يوم القيامة، أما نتفه فإطفاء لهذا النور، وأما حلق اللحية فمع كونه حرامًا وخلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يُطفئ نور الشَّيْب يوم القيامة، وقد يرزق نورًا بسبب آخر.
أما تغييره بغير السواد فهذا لا يطفئ هذا النور، لأنه ليس إزالةً له.
4-         ومن الأعمال التي يكون بها النور طويلًا يوم القيامة: قراءة سورة الكهف.

-      والرواية جاءت مطلقة في هذا الحديث، في أي وقت، لكن جاءت مقيدة في روايات أخرى بيوم الجمعة.
روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال: " من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق "، وهذا موقوف على أبي سعيد صحيح الإسناد وله حكم الرفع، لأنه مما لا يُقال بالاجتهاد.
وروى البيهقي عن أبي سعيد الخدري: " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ".
فتحمل الرواية المطلقة على الرواية المقيدة، فهذا الفضل لقراءة سورة الكهف في يوم الجمعة.

-      ومن قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة فإنه مُبَشَّر بنورين، نور في الدنيا ونور يوم القيامة:
أما النور الذي في الدنيا فهو بين الجمعتين، وجاء في رواية: "وزيادة ثلاثة أيام"، يعني عشرة أيام، وهذا نور الحفظ والعناية، فيكون له مزيد حفظ وعناية من ربنا سبحانه وتعالى، عن سائر المؤمنين.
ونورٌ يكون يوم القيامة، وهو نور طويل كما بينه وبين مكة المكرمة، من طوله.
فقراءة سورة الكهف فيها فضل عظيم، وللأسف أن المؤمنين غفلوا عن هذا العمل، فلا تكاد  تجد مسلمًا يحرص على قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة مع هذا الفضل العظيم.

-      ( ومن قرأ عشر آيات من آخرها ): أي من آخر سورة الكهف.
( ثم خرج الدجال ): أي وأدركه، لأن الدجال لا بد أن يخرج.
( لم يضره ): أي لم يُسلَّط عليه كما جاء في الرواية الأخرى.
فمن أسباب الحفظ من الدجال ومن فتنته قراءة عشر آيات من سورة الكهف.

-      " ومن قرأ عشرَ آياتٍ من آخرها ":
في هذه الرواية: ( من آخرها )، وهي عند الطبراني والحاكم، وجاء في رواية عند مسلم وغيره: ( من أوائل سورة الكهف )، فجاءت روايتان، ورواية الأوائل أقوى من رواية الأواخر.
وقد اختلف العلماء هنا: فذهب جمع من أهل العلم إلى ترجيح رواية أوائل السورة، وقالوا أن هذه الرواية التي معنا هنا شاذة، فهي ضعيفة المتن لأنها مخالفة للرواية الصحيحة.
وقال بعض أهل العلم بأنه لا شذوذ، وكلا الروايتين صحيح، وكلا الأمران سبب للحفظ من فتنة الدجال، فمن قرأ عشر آيات من أول سورة الكهف حُفظ من الدجال، ومن قرأ عشر آيات من آخر سورة الكهف حُفظ من الدجال، والشذوذ لا يقال به إلا عند المخالفة، ولا مخالفة هنا، فكلاهما سبب.
وهذا الذي يظهر والله أعلم، لكن العناية بالأوائل أولى لأن الرواية أصح.

-      ورجح كثير من أهل العلم: أن معنى القراءة هنا: الحفظ، وكون الإنسان يعتني بحفظ أوائل السورة فهذا حسن، ومن اعتنى بحفظ الأواخر فهذا حسن، ومن حفظ السورة كلها فهذا نور على نور، لأنه يكون قد حفظ الآيات التي يكون بها الحفظ من الدجال، وحفظ السورة فيثاب على حفظ القرآن، ويسهل عليه أن يقرأها يوم الجمعة سواء وهو يمشي أو راكب للسيارة أو نحو ذلك.

-      ( ومن توضأ فقال: (سبحانك اللهم وبحمدِك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك ) ... ):
( ومن توضأ ): أي أسبغ الوضوء.
( فقال: سبحانك اللهم ): سبحانك يا الله، ومعناه: أنزهك يا ربي عما لا يليق بجلالك، اعتقادًا وقولًا، فلا أعتقد إلا ما يليق بجلالك، ولا أقول إلا ما يليق بجلالك، فهذا تنزيه لله عن النقائص.
( وبحمدك ): الحمد: الثناء على الله مع الحب والتعظيم والتذلل.
فهنا تنزيه وثناء، ومن كان مثنيًا على الله منزّهًا لله فقد تم له الأمر.
( أستغفرك ): أطلب مغفرتك، والمغفرة: إزالة أثر الذنب.
( وأتوب إليك ): فهذا جمع بين الاستغفار والتوبة، والتوبة تتضمّن الندم والإقلاع والعزم على عدم العود خوفًا من الله وإخلاصًا لله.
والاستغفار: طلب إزالة أثر الذنب لخوف القلب من الله.

-      ولهذا العلماء قالوا: هل ينفع الاستغفار بدون ترك الذنب؟
قال المحققون: هنا تفصيل:
1-       إن كان استغفاره لخوف قلبه من الله، فيقول: "استغفر الله" من قلبه، ولكنه يستمر على الذنب لضعفه، فهذا قد ينفعه الاستغفار، بل قد يُعان على ترك الذنب بسب استغفاره.
2-       وإن كان استغفاره استغفار اللسان ولا أثر له في القلب، فهذا قول الكذابين.
3-       وإن كان استغفاره على سبيل الاستهانة والاستهزاء بمن نصحه وبالذنب فهذا استغفار المفتونين، وهذا ذنب أعظم من ذنبه.

-      ( كُتِبَ له في رَقٍّ، ثم جُعِلَ في طابِعٍ، فلم يُكسَر إلى يومِ القيامةِ ):
( كُتِبَ له في رقّ ): يعني في صحيفة.
قال الفراء: " الرق: الصحائف التي تُخرج لبني آدم يوم القيامة "، وقال بعض أهل اللغة: الرق هو الجلد الذي يُكتب عليه.
والمقصود: أنها صحيفة محفوظة.
(ثم جُعِلَ في طابِعٍ ): أي خُتِم عليه.
( فلم يُكسَر إلى يوم القيامة ): أي أنه عمل صالح محفوظ، ولا تُنقصه الذنوب ولا غير الذنوب.
-      وجاء في رواية النسائي: ( طُبِعَ عليها بطَابَع ثم رُفِعت تحت العرش ): وفيه شرف المكان، (فلم تُكْسر إلى يوم القيامة ): وهذا فضل عظيم لهذا الذكر.

   -      يُشرع للمؤمن حال فراغه من الوضوء، ولا يتأخر، بل أول ما يفرغ من الوضوء يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

ويجمع بينها؛ لأنها من الأذكار التي يُمكن الجمع بينها.

-      إذا كان الإنسان يتوضأ في دورات المياه فهل يقول هذا الذكر عند فراغه من الوضوء؟
فيه تفصيل: إن كان يتوضأ في الحمام الذي تُقضى فيه الحاجة، لا يقول هذا الذكر حتى يخرج من الحمام، فإذا خرج من الحمام قاله.
أما إذا كان يتوضأ في المِيضَئَة خارج الحمامات، فإنه يقول هذا الذكر إذا فرغ مباشرة، لأنه لا يوجد في الشرع مانع من ذكر الله في هذا المكان.
وبعض المؤمنين يخلط بين الأمرين، فيظن أن الميضئة لها حكم الحمام ولا يُذْكَر الله فيها، وهذا غلط، فالمِيضَة ليست حماما ولا مكانا مكروهًا.




الأحد، 15 مارس 2020

شرح ( ما منكم من أحدٍ يتوضأ، فَيُبلِغُ أو فَيسبغُ الوضوء، ثم يقولُ: (أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله ) - الشيخ سليمان الرحيلي

بسم الله الرحمن الرحيم



[صحيح] عن عُمَرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ( ما منكم من أحدٍ يتوضأ، فَيُبلِغُ أو فَيسبغُ الوضوء، ثم يقولُ: (أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله)؛ إلاَّ فُتحَتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةِ، يدخل مِن أيُّها شاء ). رواه مسلم.
[حسن] وأبو داود وابن ماجه، وقالا: "فيحسن الوضوء".
[حسن] ورواه الترمذي كأبي داود، وزاد: ( اللهم اجْعَلْني من التَّوابين، واجْعَلني من المتطهرين ) الحديث، وتُكُلّم فيه.

-      ( ما منكم من أحد ): أحد نكرة في سياق الشرط وتقدمتها من، فيعمّ كل من يتحقق منه هذا يتحقق له الموعود

-      ( يتوضأ فيُبْلِغ أو فيُسْبِغ ): المقصود بالإسباغ هنا هو الإسباغ المستحب الكامل، فيتوضأ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ، ويكون حريصا على وضوئه يتممه ويكمله ويجمله بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعبر بعض أهل العلم عن هذا بقوله: أن يأتي به على الوجه المسنون.

-      ومعنى (يُبلغ) و(يسبغ) واحد، لكن من دقة الراوي جاء بهما.

-      أشهد: أي: أعْلَمُ وأبيّن وأقول وأعتقد اعتقادًا جازمًا.

-      ( لا إله إلا الله ): لا معبود حقٌ إلا الله أو لا معبود بحق إلا الله، لأنه لا يصح أن نقول لا معبود إلا الله، لأن فيه معبودات كثيرة

-      نبينا صلى الله عليه وسلم سُمي في التوراة محمدًا وفي الإنجيل أحمد، وثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم له خمسة أسماء يختص بها أكثر من غيره، وليس المقصود حصر أسمائه فيها، منها أحمد ومحمد.

-      والنبي صلى الله عليه وسلم اجتمعت له زيادة الحمد في اسميه أحمد محمد، زيادة الحمد في الكمية في اسمه محمد: أي المحمود حمدًا بعد حَمْدٍ، حمدًا كثيرًا، واجتمعت له زيادة الحمد في الكيفية: في اسمه أحمد، لأن "أفعل" تفضيل، أي أفضل حمد لبشري وأكثر حمد لبشري، فهو صلى الله عليه وسلم محمود زيادة في الكمية ومحمود زيادة في الكيفية.

-      قال العلماء أن أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ليست أعلامًا محضة، بل هي أعلام بما فيها من المعاني، فأكمل حمد وأكثر حمد لبشري هو لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي تحقق لنبينا صلى الله عليه وسلم فاسمه مقرون مع اسم الله عز وجل ويردد على المآذن في اليوم والليلة في الأذان وفي الإقامة وفي التشهد وغيره.

-      ( وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله ): ( عبدُه ) إضافة تشريف، لأن أعظم الشرف الذلة لله، أعظم الناس شرفا أعظمهم تذللا لله، فليس الشريف شريف النسب فقط وليس الشريف كثير المال فقط وإنما الشريف الشرف التام من تذلل لله وعظم تذلله لله.

-      ( عبده ): أي من تذلل وخضع لله خوفا ورجاء ومحبة.
وهذا يدل على أن أكمل المخلوقات عبودية لله هو محمد صلى الله عليه وسلم.

-      وهذا يدلنا دلالة بينة واضحة على أنه صلى الله عليه وسلم عَبْدٌ لا يُعْبَد.

-      ( ورسوله ): فهو رسول لا يكذب ويطاع ويتبع ولا يعبد الله إلا بما شرع صلى الله عليه وسلم.

-      ( إلاَّ فُتحَتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةِ، يدخل مِن أيُّها شاء ): الجنة لها ثمانية أبواب، وللعلماء بحث هل هي محصورة في ثمانية أو أكثر؟، لكن ظاهر النصوص أن لها ثمانية أبواب.

-      الذي يتوضأ ويحسن الوضوء مخلصًا لله ثم يقول صادقًا من قلبه: "أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" تُفتح له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.

-      متى تفتح؟
قال بعض أهل العلم: تفتح إذا قال، فُتفتح بحيث لو مات لدخلها.
وقال بعض أهل العلم: تفتح له يوم القيامة، وهذا أرجح والله أعلم، فيُخَيّر أمام المؤمنين، فيقال له أدخل من أي باب شئت، وهذا تشريف لصاحب هذا الفعل.
فضل الله علينا عظيم لكن نحن نظلم أنفسنا، كم مرة توضأنا ولم نقل هذه الجملة؟.
إني لأخشى أن يكون صرفنا عن كثير من الأذكار عقوبة لخلل في قلوبنا، وأعظم العقوبة في الدنيا أن يُـحرم العبد من الإكثار من ذكر الله.

-      " وأبو داود وابن ماجه، وقالا: ( فيحسن الوضوء ) ". أي بدلاً من ( فيبلغ الوضوء ).

-      " ورواه الترمذي كأبي داود، وزاد: ( اللهم اجْعَلْني من التَّوابين، واجْعَلني من المتطهرين ) ":
أي: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله، اللهم اجْعَلْني من التَّوابين، واجْعَلني من المتطهرين.

-      " وتُكُلّم فيه ": تكلم فيه الترمذي وأعله بالاضطراب، وكلام الترمذي عن الحديث كله أنه لا يصح لأنه مضطرب، لا عن الزيادة فقط.
قال الألباني في "إرواء الغليل": " أعله الترمذي بالاضطراب وليس بشيء فإنه اضطراب مرجوح ".
والشيخ أحمد شاكر جمع طرق الحديث وبَيَّن أنه لا اضطراب، في روايات الترمذي وغيره.
أما صدر الحديث: ( أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله ) ففي مسلم ولا اضطراب في روايته.
وأما الزيادة فالتحقيق أنه لا اضطراب، ولها شاهد من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَن دعا بوَضوئِه –أي من دعا بماء الوضوء- فساعةَ يَفْرُغُ مِن وُضوئِه يقولُ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، اللَّهمَّ اجعَلْني مِن التَّوَّابينَ واجعَلْني مِن المُتطهِّرينَ، فُتِحَتْ له ثمانيةُ أبوابِ الجنَّةِ يدخُلُ مِن أيِّها شاء )، رواه الطبراني في "الأوسط"، وهو شاهد لرواية الترمذي.
والشيخ الألباني هنا حكم للزيادة بأنها حسنة، وفي بعض كتبه قال أنها صحيحة.
وهذا يعضده ما جاء عن الصحابة فقد روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة هذا الذكر بتمامه عن علي رضي الله عنه موقوفًا عليه، وروى ابن أبي شيبة هذا الذكر بتمامه عن حذيفة رضي الله عنه، فدل على صحته وثبوته، فيُشرع للمؤمن كلما توضأ أن يقول هذا الذكر.

-      وهذا الذكر مناسب للوضوء لأن الإنسان إذا توضأ فإنه يتطهر طهارة حسية، بغسل أعضاء الوضوء، ويتطهر طهارة معنوية برفع الحدث؛ لأن الحدث ليس حسيا، ويتطهر طهارة معنوية بِتَحَاتِّ الذنوب إذا توضأ، فناسب أن يذكر هذا مع الفعل فيجمع بين الفعل والقول، وقوله "اللهم اجعلني من التوابين": الذين يتطهرون الطهارة المعنوية، "واجعلني من المتطهرين": الذين يتطهرون الطهارة الحسية.

-      ( اللهم اجعلني من التوابين ): المناسبة أن الوضوء يكفّر الصغائر، فناسب أن يدعو المؤمن بأن يرزقه الله التوبة التي تكفّر الكبائر، فصار المعنى كأن المؤمن يقول: اللهم كما وفقتني لهذا الوضوء الذي تكفَّر به الصغائر وفقني إلى التوبة التي تكفَّر بها الكبائر.

-      ( واجعلني من المتطهرين ): الوضوء من التطهر، لما تطهر المؤمن بالوضوء ناسب أن يدعو ربه أن يتم عليه التطهر فيدعله من المتطهرين حسا ومعنى.
من رزقه الله أن يكون من التوابين ومن المتطهرين فإنه يحبه، { إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين }، ومن أحبه الله حفظه ونصره وأعانه وكان معه، فكان لهذا الدعاء مناسبة عظيمة للوضوء، وكان فيه خير عظيم للمؤمن.


الجمعة، 31 يناير 2020

شرح حديث: ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة ... ) - الشيخ سليمان الرحيلي



عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ( إذا توضأ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ، فَغَسَلَ وجْهَه؛ خَرَجَ من وجهه كلُّ خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخَرِ قَطْرِ الماءِ، فإذا غَسَلَ يَدَيْه خَرجَ من يَديْه كلُّ خطيئةٍ كان بَطَشَتْها يداه مع الماء، أو مع آخرِ قَطْرِ الماء، فإذا غسل رجلَيْهِ خرجت كل خطيئة مَشَتْها رجلاه مع الماء، أو مع آخرِ قَطْرِ الماء، حتى يخرجَ نَقِياً من الذنوب ).

رواه مالك ومسلم والترمذي.


- غسل الرجلين عند مالك من رواية ابن وهب خاصة دون بقية الرواة.


- ( إذا توضأ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ ): يشمل الوضوء الواجب أو المستحب، ويشمل الذكر والأنثى، وعلى ما ذكر هنا لا يشمل هذا الطفل دون البلوغ لأنه لا يحمل خطيئة والكلام عن تكفير الخطايا. 

- ( إذا توضأ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ ): هذا شك من أحد الراوة.


- ( خطيئةٍ ): الذي عليه جمهور العلماء أنها الصغائر، فالكبائر لابد لها من توبة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ ) والصلاة التي يُتَوَضَّأ لها تكفّر ما بينها وبين الصلاة الأخرى إذا اجتنبت الكبائر فمن باب أولى الوسيلة وهي الوضوء.


- ( فَغَسَلَ وجْهَه ): هذا دليل على أن غسل اليدين سنة.

- ( خَرَجَ من وجهه كلُّ خطيئةٍ ): في هذا أن العبد إذا أصاب ذنبا فإن ذلك يقذّر المكان الذي وقع منه الذنب، فكأنه متلبس بهذه الخطايا.

- ( كل ): من أقوى ألفاظ العموم.

- ( نظر إليها بعينيه ): هذا على سبيل التمثيل لا الحصر، وكل خطيئة تتعلق بالوجه تخرج مع الماء أو آخر قطر الماء. 



- بعض أهل العلم ذكر أن الحديث يدل على الأولى للمتوضئ أن لا ينشّف أعضاء الوضوء، لأن الخطايا تخرج مع الماء، فيُبْقِي الماء يخرج ولا ينشف، وإن شاء نفض يده، وأيدوا هذا بما جاء في الصحيحين عن ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها قالت: ( وَضَعَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وضُوءًا لِجَنَابَةٍ، فأكْفَأَ بيَمِينِهِ علَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بالأرْضِ أوِ الحَائِطِ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ، وغَسَلَ وجْهَهُ وذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أفَاضَ علَى رَأْسِهِ المَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ قالَتْ: فأتَيْتُهُ بخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بيَدِهِ ).

وأجمع العلماء على أن التنشيف ليس حراما، والقواعد الشرعية تقتضي على أنه إذا وجدت الحاجة -كالبرد- فلا منع مطلقًا من التنشيف، بل إذا غلب على ظنه أنه يتضرر فالمستحب له أن ينشّف، بل إذا علم أنه إذا لم ينشف أعضاء الوضوء يتضرر فيجب عليه أن ينشّف؛ لأنه لا ضرر ولا ضِرار.
والجمهور الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في قول قالوا لا بأس بالتنشف بمعنى أنهم لا يرون كراهية التنشف، والحنابلة في رواية قالوا يكره أن يتنشف في الوضوء والغسل، والشافعية في قول قالوا يستحب أن يتنشف لما في التنشف من النظافة.
والأقرب والله أعلم أن الأولى بالمسلم أن لا ينشف أعضاء الوضوء في غالب الأحيان، ويجوز أن ينشف أحيانا لأنه ورد أنه كان لِلنَّبِيِّ – صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ – خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بها بعدَ الوُضوءِ، والحديث رواه الترمذي والحاكم وفي إسناده ضعف لكن الشيخ الألباني جمع طرق الحديث وقال أنه حسن بطرقه، ولذلك ذكره في "السلسلة الصحيحة"، وبالجمع بين الأحاديث فالظاهر أن الغالب من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يتنشف من أعضاء الوضوء. 

- (مع الماء، أو مع آخَرِ قَطْرِ الماءِ ) : هذا شك من أحد الرواة، وقيل هو الراوي عن مالك وقيل غير ذلك. 


- ( حتى يخرجَ نَقِياً من الذنوب ):

قيل: حتى يخرج إلى الصلاة نقيًّا من الذنوب، والوضوء فيها رفع الحدث، وفيها الطهارة المعنوي من الصغائر، فيكون القلب أوعى للصلاة ويكون المصلي أخشع؛ فالذنوب تُعْمِي القلب، ولذلك يحذر المسلم من المعاصي أثناء ذهابه إلى الصلاة.

وقيل: حتى يفرغ من وضوئه نقيًّا من الذنوب.


ومالي وللدنيا

إذا جلست في غرفتك وحدك ...

إني براء من الأهواء وما ولدت...

النظر إلى الحرام

غربة أهل الاستقامة - للشيخ محمد بن هادي المدخلي

سبحان الله !! طالب علم ليس له ورد بالليل ..عشنا وشفنا - للشيخ رسلان