الأحد، 24 يناير 2016

أحكام السفر - للشيخ محمد بن عمر بازمول -حفظه الله-



بسم الله الرحمن الرحيم

أحكام السفر
للشيخ محمد بن عمر بازمول



1- السفر: هو البروز من محل الإقامة بنية وهيئة لمسافة معينة. وهذا محل إجماع.

2- اختلفوا في تحديد مسافة السفر:

    أ- فقيل: قدر المسافة بين مكة ومنى؛ لأن الرسول اعتبر أهل مكة مسافرين، فقصر بهم الصلاة، ولم يأمرهم بالإتمام.
ويتعقب بأن منى ليست هي الغاية، والغاية عرفة، وهي تبعد ما يقرب الثلاثين كيلا.

    ب- وقيل: مسيرة اليوم التام [1].

قَالَ أَبُو عُمَرَ ابن عبدالبر في "الاستذكار" (2/233): «مَسِيرُهُ الْيَوْمَ التَّامَّ بِالسَّيْرِ الْحَثِيثِ هِيَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ أَوْ نَحْوُهَا»اهـ، والبريد أربعة فراسخ، فتصير المسافة 16 فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال، فتصير المسافة 48 ميلاً، = 77.232، وهي المسافة بين جدة ومكة، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ «يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ» .

    ت- وقيل: مرجعها إلى العرف، فكل ما اعتبره العرف سفراً فهو سفر!.

    والذي ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- اعتمده الجمهور، وهو أضبط.

3- ولَا يَقْصُرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ بلده الذي يستوطنه، وَلَا يُتِمُّ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلَ بُيُوتِ البلد التي يستوطنها.

4- اتفقوا: أن المسلم في وطنه ومحل سكنه مقيم ليس بمسافر.

5- واتفقوا: أن المسلم في طريق السفر طال أو قصر مهما كانت المدة فهو مسافر.

6- واختلفوا في المسلم إذا بلغ البلد أو الأرض التي قصدها وأجمع فيها إقامة مدة معينة، هل يخرج عن حد السفر من حين يصل إلى غايته:

           أ- فقيل: هو مسافر حتى يرجع إلى وطنه محل سكنه، مهما طالت المدة التي يقضيها في تلك البلد التي يقصدها.

             ب- وقيل: هو مسافر إذا أجمع المقام أربعة أيام فما دونها، وهو مقيم من حين يصل إذا أجمع الإقامة أكثر من أربعة أيام.

والقول الثاني أرجح عندي؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما جاء مكة للحج لم يمكث في مكة إلا أربعة أيام يقصر الصلاة ثم خرج إلى منى، ولأن الرسول منع المهاجر من أن يمكث في مكة فوق ثلاث حتى لا تبطل هجرته، فدل ذلك أن جمع النية على الإقامة فوق أربعة أيام يخرج المسلم من حد السفر إلى الإقامة.

7- وإذا بلغ المسلم المسافر إلى البلد التي قصدها، ولم يجمع فيها إقامة، وكان متردداً، لا يدري متى يرجع:

              أ- فقيل: هو مسافر حتى يرجع إلى بلده التي فيها سكنه.

            ب- وقيل: هو في حكم المسافر إلى تسعة عشر يوماً، فما زاد فهو مقيم.

والقول الثاني أرجح؛ فقد أخرج البخاري تحت رقم: (1080) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا».

8- قصر الصلاة في السفر سنة مؤكدة، فإن أتم المسافر صحت صلاته.

9- أن المسافر إذا صلى خلف مقيم يتم، ولا يجوز له القصر.

10- أن الجمع بين الصلوات في السفر، تجمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء.

أما الفجر فتصلى في وقتها لا تجمع مع التي قبلها ولا مع التي بعدها.

وجمع الصلاة مع التي قبلها يسمى بجمع التقديم، مثل ما صنع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوم عرفة في حجة الوداع، فصلى العصر مع الظهر.

وجمع الصلاة مع التي بعدها يسمى جمع تأخير، مثل ما صنع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليلة مزدلفة فجمع المغرب مع العشاء.

11- أن صلاة المغرب كما هي لا تقصر إلى ركعتين، وصلاة الفجر كما هي ركعتين، إنما تقصر الرباعية إلى ركعتين، وهي صلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة العشاء.

12- أن الجمع بين الصلوات رخصة السفر، سواء تتابع به السير في السفر أم لا، والأفضل أن يصلي الصلاة في وقتها إلا إذا تتابع به السير.

13- وفي الجمع يؤذن للأولى ويقيم لكل صلاة كما فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم.

14- لا جمعة على المسافر، فيصليها ظهراً، كما صنع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حجته، فإن يوم الوقفة كان يوم جمعة، فلم يصلها وإنما صلى الظهر وجمع معها العصر.

15- إذا صلى المسافر الجمعة لا يجوز أن يجمع معها العصر؛ لأن ذلك لم يرد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

16 - ثبت أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- صلى ركعتي الفجر والوتر وصلاة الليل والضحى في السفر، وهي من صلوات التطوع.

17- السفر مشقة وعذاب، فإذا قضى المسلم حاجته فليعجل الرجوع إلى أهله وبلده.

18- لا يمنع السفر صحة عقد النكاح والبيع والشراء.

19- لا يشرع أن يقيم ولي الأمر الحدود في السفر.

عن جُنادَة بن أبي أُمية، قال: «كنا مع بُسْرِ بنِ أبي أرطاةَ في البحرِ، فأتي بسارقٍ يقال له: مِصْدَرٌ، قد سرقَ بُخْتِيَّةً، فقال: «سمعتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلم- يقول: «لا تُقطَعُ الأيدي في السَّفر» ولولا ذلك لقطعتُه»[2].

20- يكره للمسلم أن يسافر وحيدًا.
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ»[3]، وهو حديث حسن.

21- إذا كان للمسلم بيت في مدينة، وبيت آخر أو مزرعة في مدينة أخرى؛ فإنه يقصر الصلاة في سفره بين المدينتين، فإذا دخل المدينة التي يملك فيها بيتًا لا يقصر الصلاة.

22- إذا كان المسلم يستوطن بلدًا ثم تركها واستوطن في مدينة أخرى ثم عاد إلى البلد الأول، لا بنية الاستيطان فيها، فإنه فيها مسافر بحسب التفصيل السابق، إلا إذا كان يملك فيها بيتًا فإنه لا يقصر؛ فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما عاد إلى مكة بعد الفتح لم يتم الصلاة، بل قصر، فلما قيل له عن بيته، قال: «هل ترك لنا عقيل من دار؟». فدل على أنه مسافر هو ومن معه من المهاجرين.




([1]) "الاستذكار" (2/ 233).

([2])  أخرجه أحمد في المسند تحت رقم: (17626) و(17627)، و أبو داود تحت رقم: (4408)، والترمذي تحت رقم: (1450)، وصححه الألباني والأرنؤوط.

([3]) أخرجه مالك في الموطأ-كتاب الاستئذان-باب ما جاء في الوحدة في السفر، وأبو داود تحت رقم: (2607)، والترمذي تحت رقم: (1674).











السبت، 23 يناير 2016

سيرة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- دروس وعبر - للشيخ محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله-

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فهذه محاضرة قيمة بعنوان: "سيرة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- دروس وعبر "

للشيخ محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله تعالى-


ألقاها -حفظه الله- حين زيارته لإخوانه وأبنائه في حفر الباطن يوم الخميس 2 صفر 1432هـ





وهناك محاضرة أخرى للشيخ بعنوان:
"وقفات من سيرة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله":
 

الجمعة، 22 يناير 2016

أحكام المسبوق - للشيخ محمد بن عمر بازمول -حفظه الله تعالى-



بسم الله الرحمن الرحيم
أحكام المسبوق
للشيخ محمد بن عمر بازمول

* العناصر:


1- ما أدركه أول صلاته.

2- يكبر تكبيرة الإحرام ، وهل تلزمه تكبيرة الانتقال؟

3- يدخل مع الإمام على الحال الذي هو عليه.

4- هل تَلزمه السترة لصلاته بعد انتهاء الصلاة مع الإمام؟

5- هل يَجهر بالقراءة إذا قام يتم صلاته؟

6- هل يُدرك الركعة بالركوع؟

7- يأتي إلى المسجد بسكينة ووقار.

8- إذا دخل المسجد ووجد الإمام راكعاً.

9- إذا كان مسافراً وأدرك صلاة المقيم في التشهد آخر الصلاة.

10- هل يؤتم بالمسبوق؟

11- صلاة المسبوق صلاة المغرب بأربعة تشهدات.

12- إذا دخل المسجد والإمام في جلوس التشهد قبل السلام، هل يدخل معه، أو يخرج يبحث عن جماعة؟

13- إذا عقد المسبوق جماعة وجماعة المسجد قائمة.

14- إذا سجد الإمام للسهو بعد السلام ماذا يصنع المسبوق؟

15- إذا سجد الإمام للسهو قبل السلام.




المسبوق هو: من سبقه الإمام بركعة أو أكثر من الصلاة.

ويتعلق به مسائل:

( 15 - 1 ) ما أدركه أول صلاته.

ما يدركه المسبوق من الصلاة وراء الإمام هو أول صلاته.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلاَةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلاَ تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا»([1])

قال الخطابي في "معالم السنن" للخطابي (1/ 163): «في قوله: «فأتموا» دليل أن الذي أدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته؛ لأن لفظ الإتمام واقع على باق من شيء قد تقدم سائره.

وإلى هذا ذهب الشافعي في أن ما أدركه المسبوق من صلاة إمامه هو أول صلاته. وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وإسحاق بن راهويه.
وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل: هو آخر صلاته. وقد روي ذلك عن مجاهد وابن سيرين، واحتجوا بما روي في هذا الحديث من قوله: «وما فاتكم فاقضوا» قالوا: والقضاء لا يكون إلاّ للفائت.

قلت (الخطابي): قد ذكر أبو داود في هذا الباب أن أكثر الرواة اجتمعوا على قوله: «وما فاتكم فأتموا»، ... .... ، وقد يكون القضاء بمعنى الأداء للأصل كقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض}. (الجمعة : 10)، وكقوله: {فإذا قضيتم مناسككم}. (البقرة : 200) وليس شيء من هذا قضاء لفائت، فيحتمل أن يكون قوله: «وما فاتكم فاقضوا»، أي أدوه في تمام جمعًا بين قوله: «فأتموا» وبين قوله: «فاقضوا» ونفيًا للاختلاف بينهما»اهـ.

قلت: يؤيد كلامه -رحمه الله- بأن مخرج الحديث واحد، فيحمل هذا اللفظ على ما جاء عن الأكثر. وانظر "فتح الباري" (2/119).


 ( 15 - 2 ) يُكبر تكبيرة الإحرام، وهل تلزمه تكبيرة الانتقال ؟

يلزم المسبوق أن يكبر تكبيرة الإحرام وبها يدخل في الصلاة، ولا تلزمه تكبيرة أخرى؛ لأنه لم يدرك محلها، ويدل على تكبيرة الإحرام ما جاء عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»([2]).



( 15 - 3 ) يدخل مع الإمام على الحال الذي هو عليه.

عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَا: «قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ».»([3]).

فيه دليل أن من دخل المسجد ووجد الإمام على حال فإنه يكون على الحال الذي يكون عليه الإمام، من قيام أو ركوع أو سجود؛ لأنه قال: «فليصنع كما يصنع».

قال الترمذي -رحمه الله-: «وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالإِمَامُ سَاجِدٌ فَلْيَسْجُدْ وَلَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إِذَا فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الإِمَامِ، وَاخْتَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ أَنْ يَسْجُدَ مَعَ الإِمَامِ. وَذَكَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ فَقَالَ: لَعَلَّهُ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ فِي تِلْكَ السَّجْدَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ» اهـ.



( 15 - 4 ) هل تلزمه السترة لصلاته بعد انتهاء الصلاة مع الإمام ؟

المسبوق حكمه حكم المأموم، والمأموم لا تلزمه سترة يصلي إليها.
والقاعدة: يُغْتَفَرُ فِي الثَّوَانِي مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأَوَائِلِ. هذا لو قلنا بوجوبها.




( 15 - 5 ) هل يجهر بالقراءة إذا قام يتم صلاته ؟

لا يلزم المسبوق الجهر في صلاته إذا قام يتمها.

قال في "مجموع الفتاوى" (24/ 207): «لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا قَامَ يَقْضِي فَإِنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِيمَا يَقْضِيهِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ، وَهُوَ فِيمَا يُدْرِكُهُ فِي حُكْمِ الْمُؤْتَمِّ؛ وَلِهَذَا يَسْجُدُ الْمَسْبُوقُ إذَا سَهَا فِيمَا يَقْضِيهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَسْبُوقُ إنَّمَا يَجْهَرُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْمُنْفَرِدُ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَذْهَبُهُ أَنْ يَجْهَرَ الْمُنْفَرِدُ فِي الْعِشَاءَيْنِ وَالْفَجْرِ فَإِنَّهُ يَجْهَرُ إذَا قَضَى الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَمَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَجْهَرُ فَإِنَّهُ لَا يَجْهَرُ الْمَسْبُوقُ عِنْدَهُ، وَالْجُمُعَةُ لَا يُصَلِّيهَا أَحَدٌ مُنْفَرِدًا فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَجْهَرَ فِيهَا الْمُنْفَرِدُ، وَالْمَسْبُوقُ كَالْمُنْفَرِدِ فَلَا يَجْهَرُ لَكِنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْجُمُعَةِ ضِمْنًا وَتَبَعًا وَلَا يُشْتَرَطُ فِي التَّابِعِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَتْبُوعِ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ لِمَا يَقْضِيهِ الْمَسْبُوقُ الْعَدَدُ وَنَحْوُ ذَلِكَ»اهـ.



 ( 15 - 6 ) هل يدرك الركعة بالركوع ؟

اختلف في ذلك، والأرجح أن الركعة تدرك بإدراك الركوع؛ لأنه قول الخليفة الراشد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وهو قول الجمهور.



( 15 - 7 ) يأتي إلى المسجد بسكينة ووقار.

تقدم ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلاَةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلاَ تُسْرِعُوا».




( 15 - 8 ) إذا دخل المسجد ووجد الإمام راكعاً.

فإن من السنة له أن يركع ويدب حتى يدخل الصف.

ومحل هذه السنة إذا كان قريباً من الصف، أو كان المسجد صغيراً.

بوب مالك في الموطأ: " بَابُ مَا يَفْعَلُ مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ ".

وأورد عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ: «دَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدَ النَّاسَ رُكُوعًا فَرَكَعَ، ثُمَّ دَبَّ حَتَّى وَصَلَ الصَّفَّ».

وذكر أَنَّهُ بَلَغَهُ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَدِبُّ رَاكِعًا».

قلت: فيه أنه يشرع للمسلم إذا دخل المسجد ووجد الإمام راكعاً أن يدخل في الصلاة، ويركع دون الصف ثم يدب حتى يدخل في الصف.

ووجه الدلالة: أن فعل هذين الصحابيين في محل لا يحتمل الرأي والاجتهاد، وبدون نكير من الصحابة الآخرين، والأسانيد عنهما ثابتة بذلك.

وقد جاء من الحديث ما يدل على أن ذلك من السنة صراحة، عن ابن وهب أخبرني ابن جريج عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ رُكُوعٌ فَلْيَرْكَعْ حِينَ يَدْخُلُ، ثُمَّ يَدِبُّ رَاكِعًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي الصَّفِّ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ السُّنَّةُ». قَالَ عَطَاءٌ: وَقَدْ رَأَيْتُهُ (يعني: ابن الزبير -رضي الله عنه-) يَصْنَعُ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «وَقَدْ رَأَيْتُ عَطَاءً يَصْنَعُ ذَلِكَ»([4]).



( 15 - 9 ) إذا كان مسافراً وأدرك صلاة المقيم في التشهد آخر الصلاة.
المسافر إذا صلى خلف مقيم يتم، ولو أدرك بعض الصلاة.
عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ: «إِنَّا إِذَا كُنَّا مَعَكُمْ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا، وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى رِحَالِنَا صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ». قَالَ: «تِلْكَ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-»([5]).


( 15 - 10) هل يؤتم بالمسبوق ؟

تقدم أن المسبوق إذا قام لصلاة ما فاته في حكم المنفرد، والمنفرد يجوز الائتمام به، ودليله حديث اِئتمام ابن عباس -رضي الله عنه- بالرسول -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الليل، لما بات عند خالته ميمونة، وهذا الحديث في الصحيح.

وما جاز في النافلة يجوز في الفريضة إلا إذا قام الدليل بخلافه.



( 15 - 11) صلاة المسبوق صلاة المغرب بأربعة تشهدات.

إذا دخل المسبوق الصلاة، وأدرك الصلاة والإمام في التشهد الأول في صلاة المغرب، فإنه يدخل ويجلس للتشهد ويقوم الإمام للركعة الثالثة ويجلس في آخرها للتشهد، ويسلم، فهذه الركعة الأولى في صلاة المسبوق، ويقوم للثانية ويقعد للتشهد، ويقوم للثالثة ويقعد للتشهد في آخرها ويسلم.

فتتم صلاته -المغرب- بأربعة تشهدات.

قال ابن قدامة -رحمه الله- في "المغني" (2/ 258): «روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم قال: جاء جندب ومسروق إلى المسجد وقد صلوا ركعتين من المغرب، فدخلا في الصف، فقرأ جندب في الركعة التي أدرك مع الإمام ولم يقرأ مسروق، فلما سلم الإمام قاما في الركعة الثانية فقرأ جندب وقرأ مسروق، وجلس مسروق في الركعة الثانية وقام جندب وقرأ مسروق في الركعة الثالثة ولم يقرأ جندب، فلما قضيا الصلاة أتيا عبد الله فسألاه عن ذلك وقصا عليه القصة فقال عبد الله: «كما فعل مسروق يفعل». وقال عبد الله: «إذا أدركت ركعة من المغرب فأجلس فيهن كلهن وأيا ما فعل من ذلك جاز -إن شاء الله تعالى-»؛ ولذلك لم ينكر عبد الله على جندب فعله، ولا أمره بإعادة صلاته»اهـ.

وقال في مجموع الفتاوى (21/ 414): «إذا لم يدرك من المغرب إلا تشهدًا تشهد ثلاث تشهدات كما في حديث ابن مسعود المشهور في قصة مسروق وحديثه»اهـ.



 ( 15 - 12) إذا دخل المسجد والإمام في جلوس التشهد قبل السلام، هل يدخل معه، أو يخرج يبحث عن جماعة ؟

تقدم حديث: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ». وفيه دليل أن بمجرد دخول الرجل إلى المسجد يلزمه أن يكون مع جماعة الناس إذا كانوا في الجماعة.

( 15 - 13) إذا عقد المسبوق جماعة وجماعة المسجد قائمة.

تقدم حديث: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ». ففيه أنه لا يشرع أن تعقد جماعة والجماعة الأولى قائمة.

بل جاء عند مسلم تحت رقم: (710) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ»، وهذا يقتضي بطلان الصلاة التي تقام أثناء إقامة المكتوبة. وبعض أهل العلم قال: إذا أقيمت الصلاة الثانية والأولى في التشهد قبل السلام، انعقدت الصلاة الثانية مع الكراهية؛ لأن الصلاة الأولى في حكم المنتهية، والله أعلم.

قال الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ: أَخَذَ عَلْقَمَةُ، بِيَدِي وَحَدَّثَنِي، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَخَذَ بِيَدِهِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللهِ، فَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: «قُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ - قَالَ زُهَيْرٌ: حَفِظْتُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ اللهُ - أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، قَالَ: فَإِذَا قَضَيْتَ هَذَا، أَوْ قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا، فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» ([6]).

قلت: والصحيح أن جملة: «فَإِذَا قَضَيْتَ هَذَا، أَوْ قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا، فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» من قول ابن مسعود -رضي الله عنه-، فإما أن تحمل على أن مراده يعني قضى الصلاة: لم يبق غير السلام، أو أن يكون مراده ظاهر اللفظ فهو مخالف لدلالة المرفوع المشار إليه، فيقدم المرفوع، والله أعلم.



( 15 - 14) إذا سجد الإمام للسهو بعد السلام ماذا يصنع المسبوق ؟

إذا سلم الإمام قام المسبوق لصلاة ما فاته، فإذا سجد الإمام بعد السلام، لم يرجع المأموم واستمر في صلاته وصلى ثم يسجد للسهو بعد السلام.


( 15 - 15) إذا سجد الإمام للسهو قبل السلام.

إذا سجد الإمام قبل السلام فعلى المسبوق متابعته، حتى يسلم فيقوم لصلاة ما فاته.

تمت والحمد لله.






([1]) أخرجه البخاري تحت رقم: (636)، ومسلم تحت رقم: (602).
(([2] أخرجه أبوداود حديث رقم: (61)، والترمذي حديث رقم: (3)، وابن ماجه حديث رقم: (375)، والدارمي حديث رقم: (687)، والحديث قال عنه الترمذي: «هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ»، وصححه الألباني في إرواء الغليل (2/ 8).
([3] ) أخرج الترمذي حديث رقم: (591) وأورده الألباني في "السلسلة الصحيحة" (1188).
([4]) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (3/ 32)، الطبراني في "المعجم الأوسط" (7/110)، والحاكم في "المستدرك" (مرعشلي 214).
والحديث صححه ابن خزيمة، وقال الطبراني عقب روايته: «لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا ابن وهب تفرد به حرملة ولا يروى عن ابن الزبير إلا بهذا الإسناد»اهـ، وصححه الحاكم، وقال في "مجمع الزوائد" (2/ 260): «رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح»اهـ. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، حديث رقم: (229). في تقرير ماتع كعادته -يرحمه الله-، وأورد له شواهد من فعل الصحابة.
([5]) أخرجه أحمد في "المسند" (الرسالة 3/ 357، حديث رقم: (1862)، وحسن إسناده محققو المسند).
([6]) وهو حديث صحح إسناده محققو المسند (الرسالة 7/ 108، تحت رقم: 4006).

ومالي وللدنيا

إذا جلست في غرفتك وحدك ...

إني براء من الأهواء وما ولدت...

النظر إلى الحرام

غربة أهل الاستقامة - للشيخ محمد بن هادي المدخلي

سبحان الله !! طالب علم ليس له ورد بالليل ..عشنا وشفنا - للشيخ رسلان